← العودة إلى المدونة

الوجهات · 9 سبتمبر 2026

سقارة: أول هرم بُني في التاريخ

عشرون دقيقة جنوب الجيزة، وأقدم منها بنحو ثمانين عامًا؛ هنا جرى استنباط الفكرة كلها.

سقارة: أول هرم بُني في التاريخ

الكل يذهب إلى الجيزة، وقلّة ممن يملكون يومًا واحدًا في القاهرة يكمّلون عشرين دقيقة أخرى إلى الجنوب، وهناك بالضبط اختُرعت فكرة الهرم نفسها، على يد رجل نعرف اسمه فعلًا، وقبل البدء في الهرم الأكبر بنحو ثمانين عامًا.

أقدم مبنى حجري كبير على وجه الأرض

نحو عام 2670 ق.م دُفن الملك زوسر تحت بناء لم يُجرَّب مثله من قبل. وحتى ذلك الحين كان الملوك يوارَون في المصاطب، وهي صناديق مستطيلة منخفضة من الطوب اللبن، مهيبة بمقاييس زمنها ولا تلفت النظر من بعيد على الإطلاق.

ما حدث في سقارة أنّ أحدهم رصّ ستًّا منها فوق بعضها، كل واحدة أصغر من التي تحتها، ونفّذ الأمر كله بالحجر الجيري المنحوت بدل الطين. وبلغ ارتفاع البناء بعد اكتماله نحو اثنين وستين مترًا، يُرى من مسافات بعيدة جدًّا، وهذا تحديدًا كان المقصود.

وتستحق الأرقام وقفة قصيرة. الهرم المدرَّج أقدم من دائرة أحجار السارسن الكبرى في ستونهنج، وأقدم من الهرم الأكبر بمسافة زمنية توازي ما بيننا وبين اختراع الطائرة. وهو أول مرة يقيم فيها أحد في أي مكان بناءً ضخمًا بالحجر؛ فقبله كان الحجر للأشياء الصغيرة، وكل ما هو كبير من طين وبوص وخشب.

من هنا تبدأ المفردات البصرية للتقليد المعماري كله بعد ذلك، وتستطيع أن ترى كيف جرى استنباطها أمام عينيك.

هرم زوسر المدرَّج في سقارة، ست مصاطب متراكبة من الحجر الجيري الفاتح

هرم زوسر المدرَّج في سقارة، ست مصاطب متراكبة من الحجر الجيري الفاتح

إيمحوتب، أول معماري حفظ التاريخ اسمه

يُنسب التصميم إلى إيمحوتب كبير موظفي زوسر، وهذه واحدة من حالات نادرة جدًّا نستطيع فيها أن نربط اسمًا ببناء قديم أصلًا.

لم يكن من البيت المالك. تصفه الألقاب الباقية بما يشبه المستشار الأعلى، وكاهن عين شمس الأكبر، وكبير النجارين والنحّاتين؛ أي إداريًّا وبنّاءً لا نبيلًا. وقد حفظه المصريون في ذاكرتهم: بعد ألفي عام كان يُعبد إلهًا للطب والحكمة، وهو من حفنة قليلة من غير الملوك بلغت هذه المرتبة، ثم طابق اليونانيون بينه وبين أسكليبيوس.

وما يجعل التجوال في الموقع غريبًا إلى هذا الحد أنّ إيمحوتب اشتغل بالحجر ولا تقليد حجري سابق ينقل عنه، فنقل عن كل شيء آخر. أعمدة البهو عند المدخل منحوتة على هيئة حزم البوص بتعريجاتها كاملة، وفي سور الإحاطة سلسلة مداخل ليست مداخل: حجر مصمت منحوت على شكل بوابات خشبية محشّاة لن تُفتح أبدًا. وهناك سياج من الحجر يحاكي سياجًا من الخشب.

كان يترجم عالمًا مصنوعًا من النبات والطين إلى مادة لم يُطلب منها ذلك يومًا، وفعلها بالمحاكاة لأنه لم يكن هناك ما يُحاكى غيره. وما إن تنتبه إلى هذا حتى تعجز عن التوقف عن ملاحظته، وهو أكثر ما في الموقع إثارة للاهتمام.

احجز ما قرأت عنه للتو

جولات من هذا المقال — خاصة، مع مرشد مرخّص، والسعر لكل شخص.

جولات ذات صلة يمكنك حجزها